حين يسمع الناس عن مرصد متوسطي، يتبادر إلى الذهن سؤال مشروع: لماذا المتوسط تحديداً، وليس العالم بأسره؟ الجواب ليس تضييقاً جغرافياً — بل تحديداً منهجياً.
البحر المتوسط كمختبر عالمي للتضليل
المنطقة المتوسطية تجمع في فضاءها الرقمي خصائص تجعلها نموذجاً فريداً لدراسة ظاهرة التضليل العابر للحدود:
- تعدد اللغات: العربية والفرنسية والإيطالية والتركية واليونانية والإسبانية والعبرية — حملات التضليل تتحرك بين هذه اللغات بسرعة يصعب تتبعها بأدوات أحادية اللغة.
- تقاطع التأثيرات: الفضاء الرقمي المتوسطي تبث فيه بروباغندا أوروبية وعربية وتركية وروسية وإيرانية — غالباً في آن واحد.
- هشاشة مشتركة: مجتمعات الضفتين تعيش تحولات ديمقراطية هشة، مما يجعل تأثير التضليل فيها أعمق مما في الديمقراطيات الراسخة.
- تدفق المعلومات عبر البحر: المتوسط ليس حداً — بل قنطرة عبور، وتضليل في أوروبا ينتشر في إفريقيا والشرق الأوسط بسرعة غير معتادة.
الدول المشمولة ولماذا
يغطي المرصد حوضاً جغرافياً يضم 20 دولة ساحلية على الضفتين الشمالية والجنوبية:
- الضفة الجنوبية: المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا، مصر، لبنان، إسرائيل، فلسطين، سوريا، تركيا.
- الضفة الشمالية: إسبانيا، فرنسا، موناكو، إيطاليا، سلوفينيا، كرواتيا، البوسنة والهرسك، ألبانيا، اليونان، مالطا.
هذا النطاق ليس عشوائياً. تجمع هذه الدول 4 مجموعات لغوية في فضاء رقمي واحد، وتتشارك في حساسيات تاريخية وثقافية مشتركة، وتواجه تحديات متشابهة في مجال التحول الديمقراطي.
التحديات المشتركة عبر الضفتين
رغم اختلاف السياقات السياسية، تواجه دول الضفتين تحديات معلوماتية متشابهة:
- انتشار أكاذيب الانتخابات: خبرتها أوروبا عام 2019 وعام 2024، وخبرتها دول الجنوب في 2019 وما بعدها.
- خطاب الكراهية عبر الحدود: حملة تنطلق من دولة أوروبية تصل إلى جمهور عربي أو عكسها.
- تضليل الأزمات: كورونا، الحرائق، الهجرة — كلها أزمات عبرتها موجات تضليل انتشرت على الضفتين معاً.
- ضعف منظومات التحقق المحلية: معظم دول الجنوب تفتقر إلى بنية تحقق مستقلة وممولة بشكل كافٍ.
لماذا ليس مرصداً عربياً فحسب؟
هذا السؤال يطرحه كثيرون. الجواب في طبيعة المشكلة نفسها:
- تضليل تنتجه في إيطاليا وتصل إلى جمهور مغربي — هل هذا مشكلة إيطالية أو مغربية؟
- خطاب ينطلق من إسبانيا ويستهدف جمهوراً تونسياً — لا مرصد محلي يملك أدوات التتبع على الضفتين معاً.
- معلومة مضللة تنتشر بالعربية والفرنسية والإسبانية في آن واحد — تحتاج مرصداً يقرأ كل هذه اللغات.
مرصد عربي وحده سيغطي فقط جزءاً من الصورة. مرصد أوروبي وحده سيغطي الجزء الآخر. المرصد المتوسطي يغطي الصورة كاملة.
النطاق الجغرافي والأولوية الموضوعاتية
المرصد لا يرصد كل شيء يجري في دول الضفتين. يركز تحديداً على تقاطعات محددة:
- التضليل السياسي في سياق الانتخابات والتحولات.
- خطاب الهجرة والأزمات الإنسانية الذي يعبر الحدود بسرعة.
- المعلومات المضللة حول الصراعات والنزاعات المجمّدة.
- تضليل الصحة العامة بمنطقة تسودها فجوات تثقيفية عميقة.
خاتمة: الحدود ليست حواجز
في عصر الفضاء الرقمي، الحدود الجغرافية لم تعد تفصل بين مشكلة معلوماتية وأخرى. مشكلة تضليل واحدة تخترق الضفتين في يومٍ واحد، وتحتاج منظومة تدرك هذا وتتعامل معه بأدوات عابرة للحدود. اختيار النطاق المتوسطي ليس تنازلاً — بل هو المدخل المنهجي الوحيد لفهم الظاهرة ومعالجتها.
هذه المقالة جزء من سلسلة «تعريف بالمرصد» التي تشرح رؤية المرصد المتوسطي للنزاهة المعلوماتية وأهدافه الاستراتيجية.