لا تُولد المؤسسات الرائدة كاملةً. تبدأ مبادرةً، ثم تتشكّل رؤيةً، ثم تصبح مرجعاً. هذا هو المسار الذي رسمه المرصد المتوسطي للنزاهة المعلوماتية (MOII) لنفسه منذ انطلاقه.
من أين نبدأ؟
يرفض المرصد أن يكون مجرد أداة تحقق من الأخبار. رؤيته أوسع: أن يصبح مرجعاً إقليمياً ودولياً رائداً في مجال النزاهة المعلوماتية، يُعزز الثقة في الفضاء الرقمي، ويساهم في بناء مجتمعات أكثر وعياً وتماسكاً وقدرة على مواجهة التلاعب بالمعلومات.
هذه ليست شعارات. هي خارطة طريق محددة المعالم.
ثلاث مراحل للتحول
المرحلة الأولى: التأسيس والرصد
بناء البنية التحتية للمرصد: منصة رقمية متعددة اللغات، وحدات رصد وتحقق فاعلة، شبكة أولية من الخبراء في دول المتوسط. في هذه المرحلة، يُثبت المرصد قدرته على العمل باستقلالية وموضوعية وفق معايير مهنية دولية.
المرحلة الثانية: بناء الشبكة
توسيع الحضور إلى 15 دولة متوسطية، توقيع 20 اتفاقية شراكة مع منظمات دولية كاليونسكو والاتحاد الأوروبي و UNDP، وتدريب 1000 صحفي وفاعل مدني. في هذه المرحلة، يتحول المرصد من مبادرة إلى شبكة.
المرحلة الثالثة: المرجعية الدولية
إصدار مؤشر سنوي للنزاهة المعلوماتية في المتوسط، تنظيم مؤتمر متوسطي سنوي، وإصدار ما لا يقل عن 100 تقرير تحقق سنوياً. في هذه المرحلة، يصبح المرصد مصدراً لا يمكن تجاهله في أي نقاش حول البيئة المعلوماتية الإقليمية.
الرسالة التي تحرك كل شيء
وراء كل هذه المراحل، رسالة واحدة موحّدة: تعزيز جودة البيئة المعلوماتية في الفضاء المتوسطي من خلال الرصد والتحقق والبحث والتوعية وبناء القدرات وإنتاج المعرفة، بما يدعم الحوار والتفاهم والسلم المجتمعي ويعزز الثقة في المعلومات.
لاحظ أن الرسالة تجمع بين ستة أفعال متكاملة: رصد + تحقق + بحث + توعية + بناء قدرات + إنتاج معرفة. ليس فعلاً واحداً، بل منظومة متكاملة.
ما يميز هذه الرؤية عن غيرها
أولاً: التكامل لا التجزؤ
معظم مبادرات التحقق تنحصر في الجانب التقني: هل الخبر صحيح أم كاذب؟ يذهب المرصد أبعد من ذلك. يسأل: لماذا ينتشر التضليل؟ وكيف نبني مجتمعات تقاومه من الداخل؟ هذا ما يميز رؤيته الشاملة.
ثانياً: البُعد الإقليمي الحقيقي
لا يوجد اليوم أي مرصد للنزاهة المعلوماتية يغطي حوض البحر الأبيض المتوسط بكامله، بثقافاته ولغاته وتوتراته المتعددة. هذا الفراغ الجغرافي هو بالضبط ما يستهدفه MOII.
ثالثاً: الاستقلالية شرط وجود
تعتمد المؤسسة على نموذج تمويل متنوع يضمن ألا تكون رهينة لأي جهة: منح دولية، مشاريع تعاقدية، برامج تدريب، خدمات معرفية. الاستقلالية ليست قيمة معلنة فحسب، بل هي شرط للموثوقية.
القيم التسع: البوصلة الثابتة
على طريق التحول من مبادرة إلى مرجع، يسترشد المرصد بتسع قيم مؤسسية:
- الاستقلالية والموضوعية والدقة العلمية
- الشفافية والمساءلة
- احترام حقوق الإنسان
- التنوع الثقافي والتعاون الدولي
- الابتكار الرقمي
هذه القيم ليست ديكوراً، بل معايير تحكم كل قرار: من اختيار الشركاء، إلى منهجية التحقق، إلى طريقة تقديم النتائج.
خاتمة: المسافة بين الرؤية والواقع
الرؤية طموحة. والطريق طويل. لكن ما يمنح هذه الرؤية مصداقيتها ليس حجم طموحها، بل وضوح خارطة طريقها وصدق قيمها.
في عالم تتآكل فيه الثقة يوماً بعد يوم، بناء مؤسسة يمكن الوثوق بها هو في حد ذاته فعل مقاومة.
هذه المقالة جزء من سلسلة «تعريف بالمرصد» التي تشرح رؤية المرصد المتوسطي للنزاهة المعلوماتية وأهدافه الاستراتيجية.